حين يلتقي صُنّاع المشهد

أمسية شركاء تذكرتي

لم تكن السنتان الماضيتان عاديتين.

حروب، فقدان، وإغلاقات طويلة فرضت واقعاً جديداً على الحياة الثقافية في المنطقة وفي الشتات. بالنسبة لكثيرين يعملون في هذا المجال، لم يكن السؤال كيف يمكن التقدّم، بل كيف يمكن الاستمرار.

في هذا السياق، جاءت أمسية شركاء تذكرتي، التي أُقيمت في جاليري فتوش، كمساحة لقاء جمعت منظّمين، أصحاب مساحات ثقافية، فنانين، وشركاء واصلوا العمل رغم هشاشة الظروف. 

أدار الأمسية مصطفى قبلاوي، مقدّماً برنامجاً خفيف الإيقاع ترك المجال مفتوحاً للتفاعل واللقاء.

الموسيقى في قلب اللقاء

شهدت الليلة عرضين موسيقيين.

قدّم تامر نفّار عرضاً متّزناً، خالياً من الاستعراض. حضوره على المسرح بدا امتداداً لمسيرته المرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي، وهو ما انعكس بوضوح على تفاعل الجمهور، الذي تعامل مع العرض كجزء من سياق الليلة، لا كفقرة منفصلة عنها.

لاحقاً، قدّم RASALAS (ربيع سليمان) عرضاً اتّسم بالدقّة والعمق، غيّر طاقة المكان بهدوء. الإصغاء كان كاملاً، وردّة الفعل جاءت تدريجية، ثم جماعية، في لحظة بدت فيها العلاقة بين المؤدّي والجمهور علاقة إنصات متبادل.

من الإصغاء إلى الحركة

اختُتمت الأمسية بمجموعة DJ على الفاينيل قدّمها روجيه خليف أحد مؤسسي تذكرتي ومن صناع المشهد المحلي في فلسطين، ضمّت اختيارات موسيقية من منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا. 

كثيرون بقوا بعد انتهاء البرنامج الرسمي، في مشهد عفوي من الأحاديث واللقاءات الجانبية، حيث استمرّت النقاشات بعيداً عن المنصّة.

ما ميّز الليلة لم يكن فقط ما قُدّم على المسرح، بل من قرر الحضور.

شركاء تذكرتي الأساسيون: منظّمون، أصحاب فضاءات، وفنانون، كانوا موجودين. كثير منهم عاشوا العامين الماضيين بين الإلغاءات، ضعف الموارد، وحدود مغلقة.

عن هذه العلاقة مع المنصّة، قال بشير خوري:

“تذكرتي كانت من الأشياء التي افتقدناها لفترة طويلة. سهّلت حياتنا، وخلقت علاقة مباشرة وأكثر إنسانية مع الجمهور.”

وفي تعليق آخر، لخص أيمن نحاس معادلة مألوفة في العمل الثقافي اليوم:

“نحن هنا لنصنع فناً، لا مجرّد أعمال. هناك جانب تجاري، نعم، لكن هدفه دعم الفن والثقافة.”

وأضاف بشير خوري، في إشارة إلى البعد المجتمعي للمنصّة:

“لما بتسمع تذكرتي بتشوف لمّة حلوة، بتشوف فن، بتشوف ثقافة، بتشوف لقاءات، بتشوف الناس اللي إنت مشتاق لها”

لماذا كانت هذه الليلة مهمّة؟

في لحظات كهذه، لا يمكن النظر إلى الثقافة بوصفها شأناً ثانوياً. هي مساحة تواصل، ونقطة ارتكاز، ووسيلة للحفاظ على الروابط الإنسانية.

بالنسبة لتذكرتي، هذه الليلة كانت مشاركة وقوفاً إلى جانب منظّمين يعملون في ظروف غير مستقرة. الثقافة الحيّة لا تستمر بالأدوات وحدها، بل بإصرار الأشخاص الذين يختارون مواصلتها.

وضوح في الاتجاه

لا يوجد هنا ادّعاء بأن الأمور عادت إلى طبيعتها، لكن ثمّة وضوح في الاتجاه.

قال سهيل نفّار:

“هناك عطش حقيقي لمعرفة ما يقدّمه الفنانون هنا (في فلسطين)”

وأضاف حبيب حنّا شحادة:

“من واجبنا نشر هذه الثقافة، وأرى تذكرتي تساعد الفنانين على ذلك”

إلى جانب العروض الفنية، تضمّنت الأمسية عرضًا تفصيليًا قدّمه مؤسِّسَا تذكرتي، روجيه وإلياس خليف، استعرضا فيه خصائص تذكرتي الحالية، والتطويرات الأخيرة، وما يجري العمل عليه في المرحلة المقبلة.

بقي التركيز عملياً بالدرجة الأولى: كيف يمكن دعم المنظّمين بشكل أفضل، كيف يتغيّر الجمهور، وكيف يمكن للبنية التحتية أن تتكيّف مع هذه التحوّلات دون أن تنفصل عن السياق الذي تعمل فيه.

ما تَشكّل في نهاية المطاف كان حواراً مستمراً، صاغه الحضور أنفسهم، والظروف الواقعية التي يعملون ضمنها.